الجاحظ

97

كتاب البغال

للّه من آياته هذا القمر * والشمس واللّيل وآيات أخر إنّا أتيناك على بعد السّفر * نقود خيلا ضمّرا فيها ضرر نطعمها اللّحم إذا عزّ الشّجر * والخيل في إطعامها اللّحم عسر وقال الآخر : وخيلك بالبحرين تعتلف النّوى * وللتّمر خير من حشيش وأنفع وقال بعض من يمدح البغل : البرذون إذا كان أسود قالوا : أدهم ، وكذلك الفرس . والحمار إذا كان أسود قالوا : أسود . وألحقوا البغل بالخيل ، فقالوا : بغل أدهم . وقال بعضهم : البغل يؤخّر سرجه كما يؤخّر الحمار ، وموضع اللّبب من الخيل يكون قدّام ، وإن ركب الغلام البغل عربا ، ركب فيه على مركب الحمار ، وهو مؤخّره ، فإن ركب الخيل ركب المقاديم . حدّثني بعض أهل العلم قال : قال شيخ من الملوك لعبد اللّه بن المقفّع : إن ابني فلانا يتكلّم بكلام لا نعرفه ، فأحبّ أن تجالسه ، فإن كان كلامه هذا من غريب كلام العرب ، فهو على حال لم تخرج من هذه اللغة ، وإن كان شيئا يبتدعه عالجناه بالتقويم . فأتاه ابن المقفّع ، فسمعه يقول : يا غلامي أسرج لي برذوني الأسود . فقال : قل ، أصلحك اللّه : البرذون الأدهم ، وإيّاك أن تقول : الأسود . قال : لا أقول إلّا الأسود ؛ لم ؟ لأنه ليس بأسود ؟ قال : بلى هو أسود ، ولكن لا يقال له أسود . قال : فمكث ساعة ، ثم قال : يا غلام أسرج لي حماري الأدهم . قال : قلت : لا تقل للحمار : أدهم ، إنما يقال له : أسود . قال : فقال لي : لم يقال له أسود ؟ قلت : لأنه أسود . قال : قد نهيتني أن أقول : برذون أسود ، وهو أسود . قال : قلت له : هكذا تقول العرب . قال : إمّا أن تكون العرب أموق الخلق ، وإما أن تكونوا